ابن الجوزي
217
بستان الواعظين ورياض السامعين
والأيام المنهي عن صيامها ستة ، يوم الفطر ، ويوم الأضحية ، وثلاثة أيام بعد أيام التشريق ويوم الشك . [ 344 ] الصوم اللغوي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] الصوم ضربان ، صوم لغوي ، وصوم شرعي ، فالصوم في اللغة هو الإمساك وكل ممسك عن شيء فهو صائم . وذم أعرابي قوما فقال : يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفواحش . قال اللّه تعالى إخبارا عن مريم عليها السلام : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [ مريم : 26 ] يعني صمتا . يقال صام النهار إذا ارتفعت الشمس ويقال صامت الخيل وهو قيامها من غير علف ولا حركة . قال الشاعر : خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وخيل تعلك اللّجما أي خيل تصهل وخيل لا تصهل . [ 345 ] صيام الجوارح وكذلك حقيقة الصيام ترجع إلى اللغة لأن ما من جارحة في بدن الإنسان إلّا ويلزمه الصوم في رمضان وفي غير رمضان ، فصوم اللسان ترك الكلام إلّا في ذكر اللّه تعالى ، وصوم السمع ترك الإصغاء إلى الباطل وإلى ما لا يحل سماعه ، وصيام العينين ترك النظر والغض عن محارم اللّه تعالى لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من نظر إلى امرأة نظرة حراما حشا اللّه عينيه يوم القيامة بمسامير من نار حتى يقضي اللّه بين الخلق ثم يؤمر به إلى النار إلّا أن يتوب » وعلى كل نظرة لفحة من لفحات جهنم . [ 346 ] عقاب نظرة في الحرام ذكر عن بعض الصالحين أنه نظر على وجهه لمعة سوداء فسئل عنها فقال : نظرت يوما إلى امرأة فتابعت النظرة بأخرى ، فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وقد نشر الخلائق في صعيد واحد وجيء بجهنم ونصب الصراط على متنها وقال اللّه تعالى لي : جز يا عبدي فاقتحمت الصراط فخرج لسان من نار جهنم فأحرق وجهي فأثر فيه هذه اللمعة ، فقال اللّه تعالى : يا عبدي نظرة بنظرة ولو زدت لزدناك . هذا في المنام من نظرة فكيف بمن تابع النظر ، ولم يغض البصر ؟ وصيام اليدين أن تقبضهما عما ليس لك بحق ولا ملك وأن لا تبسطهما إلّا بما هو للّه عز وجل